يمكن أن يشكل مشروع إنشاء 15 منظومة للحكومة الرقمية فرصة لإعادة تنظيم الخدمات العامة التي تتوزع اليوم بين جهات حكومية مختلفة. إلا أن نجاح هذا المشروع يرتبط بسؤالين أساسيين: هل تستطيع الجهات الحكومية التوصل إلى اتفاق حول معنى البيانات المشتركة والمسؤولية عن إدارتها؟ وهل تستطيع الحكومة والقطاع الخاص بناء علاقة مستدامة تقوم على الاستثمار والصلاحيات والمساءلة؟

ستحدد الإجابة عن هذين السؤالين، إلى حد كبير، مستقبل مفهوم «النافذة الواحدة» ومشروع المنظومات الرقمية.

وقد وصف الدكتور محمد محسن صدر، نائب وزير الاتصالات ورئيس منظمة تكنولوجيا المعلومات في إيران، الحكومة الرقمية بأنها تقوم على 15 منظومة تشمل مجالات مثل الصحة والتجارة العابرة للحدود والخدمات اللوجستية والضرائب. ومن وجهة نظره، ينبغي أن تحلّ قسمة المسؤوليات بوضوح، وتكامل البيانات وتنسيقها، والرقابة المشتركة محل تشتت الخدمات. كما يعتبر تعدد الأنظمة والجهات المسؤولة أحد أسباب تعقيد الإجراءات وتكرار إدخال البيانات، ويؤكد على ضرورة إنشاء «نافذة موحدة حقيقية».

وبموجب النموذج التنفيذي المقترح، سيتم إنشاء شركة مشروع أو SPV لكل منظومة، على أن تُسند إدارتها إلى القطاع الخاص، مع وضع نموذج لاسترداد الاستثمار. ويمكن للشركات القائمة على المعرفة المشاركة في تنفيذ مشاريع المنظومات من خلال تشكيل اتحادات والاستفادة من القدرات الوطنية.

وبحسب صدر، تحتاج هذه المشاريع إلى رأس المال والبنية التحتية والكوادر البشرية المتخصصة. وعلى الرغم من أن حرب رمضان أدت إلى تأخير الدراسات الخاصة بالمنظومات، فإن حضور منظمة تكنولوجيا المعلومات في معرض ELECOMP وعقد عدد من الجلسات المتخصصة حول المنظومات الرقمية أعادا تسليط الضوء على تنفيذ هذه المشاريع.

لكن تحقيق هذه الرؤية لا يعتمد فقط على ربط الأنظمة وإنشاء نوافذ موحدة جديدة. فهناك مسألة أعمق في الطبقة الأساسية للمشروع: التكامل الدلالي للبيانات.

عندما لا يعني ربط الأنظمة امتلاك المعنى نفسه

لنفترض أنه في منظومة التجارة تقوم عدة جهات حكومية بتبادل المعلومات المتعلقة بشركة ما. قد تعتبر إحدى الجهات أن الشركة «نشطة» استناداً إلى صلاحية ترخيصها، بينما تعتمد جهة أخرى على وضعها الضريبي لتحديد المفهوم نفسه.

في مثل هذه الحالة، حتى لو تم تبادل المعلومات بصورة سليمة من الناحية التقنية، فإن البيانات لن تحمل بالضرورة المعنى نفسه.

ولتجنب هذه المشكلة، يجب أن يكون واضحاً ما الذي يعنيه كل عنصر من عناصر البيانات، وما هو المعرّف الذي يمثل الشركة، وأي مصدر يُعد مرجعاً موثوقاً، وإلى متى تظل كل معلومة صالحة.

وهذا هو ما يمكن وصفه بـ التكامل الدلالي (Semantic Interoperability)؛ أي أن تتلقى الأطراف المشاركة في تبادل المعلومات البيانات وتستخدمها استناداً إلى معنى مشترك ومتفق عليه.

لذلك، فإن التشغيل البيني في الحكومة الرقمية لا يتعلق فقط بربط واجهات برمجة التطبيقات (APIs) وتبادل الرسائل بين الأنظمة. وقبل ذلك، يجب أن يكون هناك اتفاق حول معنى البيانات وملكيتها ومرجعيتها والقواعد التي تحكم تغييرها.

لماذا تحتاج كل منظومة إلى إدارة البيانات الرئيسية؟

تحتاج كل منظومة إلى قدرات إدارة البيانات الرئيسية (Master Data Management - MDM) لإدارة هذه الطبقة، ويمكن لمنتج متخصص في MDM أن يوفر الإطار التنفيذي لهذه المهمة.

ينبغي إدارة المعلومات المتعلقة بالأفراد والشركات والمنتجات والمواقع ومراكز تقديم الخدمات من خلال معرّفات وقواعد واضحة. وبالتوازي مع ذلك، يجب توحيد الأكواد والتصنيفات المرجعية بين مختلف الجهات الحكومية.

يمكن لإدارة البيانات الرئيسية أن تساعد في إنشاء مصادر موثوقة للبيانات، وضبط جودتها، ونشر البيانات الأساسية. كما يمكن ملاحظة أهمية هذه الطبقة في إطار التشغيل البيني الأوروبي، حيث تعد إدارة البيانات الوصفية والبيانات الرئيسية والبيانات المرجعية من العناصر المهمة في بنية التشغيل البيني.

لكن شراء برنامج لإدارة البيانات لا يؤدي، بحد ذاته، إلى خلق اتفاق دلالي.

يجب أن يكون واضحاً:

  • أي جهة مسؤولة عن تعريف كل مفهوم؟

  • من يوافق على التغييرات التي تطرأ عليه؟

  • إذا قدم مصدران معلومات متعارضة، فأي مصدر يُعد مرجعاً؟

  • من المسؤول عن تصحيح السجل غير الصحيح؟

  • كيف يتم تسجيل تغييرات البيانات وإبلاغ الأنظمة المستفيدة بها؟

ويمكن توزيع هذه المسؤوليات بين جهات مرجعية مختلفة، وليس من الضروري بالضرورة نسخ جميع البيانات في قاعدة بيانات وطنية جديدة.

خطر إنشاء 15 جزيرة بيانات جديدة

من المفارقات المحتملة في نموذج المنظومات أن المشروع الذي يهدف إلى القضاء على التشتت قد يؤدي، إذا لم تتم إدارة هذه المسألة جيداً، إلى إنشاء جزر جديدة.

فإذا قامت كل واحدة من المنظومات الـ15 بتطوير مفاهيمها ومعرّفاتها وأكوادها وقواعد البيانات الخاصة بها، فقد نصل في المستقبل إلى 15 بيئة متكاملة نسبياً داخل حدودها، لكنها تواجه المشكلة نفسها عند التفاعل مع المنظومات الأخرى.

لذلك، لا تحتاج المنظومات إلى معايير خاصة بكل مجال فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى الاتفاق على المفاهيم المشتركة بين المجالات المختلفة.

وهنا يتحول منتج MDM إلى أداة تنفيذية لتطبيق اتفاقات حوكمة البيانات والمحافظة بصورة مستمرة على البيانات الناتجة عنها.

إدارة البيانات الرئيسية: من الاتفاق المفاهيمي إلى التنفيذ العملي

في هذا السياق، يمكن لمنصة إدارة المعلومات الرئيسية ماورا أن تساعد شركات المشاريع والجهات الحكومية المشاركة.

توفر المنصة إمكانات لتعريف المجالات والكيانات والعلاقات، وتوحيد الأكواد، ومراقبة جودة البيانات على مستوى الخصائص والكيانات. ويمكن لهذه الإمكانات أن توفر أساساً لإدارة البيانات المشتركة.

كما أن تحديد مالكي المجالات والكيانات ونشر البيانات الرئيسية إلى الأنظمة المستفيدة يمكن أن يساعد في تحويل المسؤوليات المحددة ضمن حوكمة البيانات إلى إجراءات عملية.

ولا تكمن قيمة هذه المنصة في مجرد إضافة برنامج جديد، بل في تقليل حالات عدم التطابق وتوفير معلومات موثوقة لتنفيذ الخدمات. ولذلك ينبغي قياس فعاليتها من خلال مؤشرات واضحة في كل مشروع.



التحدي الثاني: الاستثمار والتوزيع الفعلي للمخاطر

حتى إذا تمت معالجة مشكلة البيانات، يبقى سؤال مهم آخر: كيف سيعمل النموذج الاقتصادي لهذه المنظومات عملياً؟

إن إنشاء شركة SPV لا يوضح وحده الهيكل الذي سيستقبل الاستثمار، ولا الالتزامات التي ستتحملها الحكومة، ولا مصدر إيرادات شركة المشروع.

وقد تؤدي الحكومة دور الجهة المنظمة، أو مشتري الخدمة، أو الشريك العام، بينما تكون شركة المشروع نفسها هي الجهة المستقبلة للاستثمار. ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: هل الحكومة مستعدة لمنح المستثمر الصلاحيات التي تتناسب مع المخاطر التي يتحملها، والحفاظ على التزاماتها طوال فترة التشغيل؟

إن مجرد الإعلان عن وجود نموذج لاسترداد الاستثمار لا يكفي لتقييم قابلية النموذج للتنفيذ.

فإذا كان المستثمر مطالباً بتمويل البنية التحتية والكوادر البشرية، بينما يظل ربط الجهات الحكومية أو الوصول المصرح به إلى البيانات أو تعرفة الخدمات خارج نطاق سيطرته، فإن مخاطر مهمة تنتقل إليه من دون منحه الأدوات الكافية لإدارتها.

لذلك يجب الإجابة منذ البداية عن عدد من الأسئلة:

  • من المسؤول عن تأخر إحدى الجهات الحكومية في تقديم الخدمة؟

  • إذا أدى تغيير في السياسات إلى خفض الإيرادات المتوقعة، فما الآلية التي ستتعامل مع هذا الأثر؟

  • من هو الطرف الذي سيدفع مقابل الخدمة؟

  • ما الأساس الذي ستُحسب على أساسه الإيرادات؟

  • في أي ظروف، ومن قبل أي جهة، يمكن تغيير التعرفة؟

  • ما الالتزامات التي تقدمها الحكومة لضمان تعاون الجهات المختلفة؟

هذه التفاصيل جزء من النموذج الاقتصادي للمشروع، ولا ينبغي تأجيلها إلى مرحلة لاحقة.

القطاع الخاص يجب أن يكون خاضعاً للمساءلة أيضاً

لكن هذه العلاقة ليست من طرف واحد.

فنموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا يكون منطقياً إلا إذا كان القطاع الخاص أيضاً مسؤولاً عن جودة الخدمة واستمراريتها، وشفافية التكاليف، والأداء القابل للقياس.

إذا كان المستثمر يتوقع أن تتحمل الحكومة جميع المخاطر التجارية، وفي الوقت نفسه يسعى إلى الحصرية أو تحقيق عوائد مضمونة، فإن منطق الشراكة يصبح موضع تحدٍ.

ينبغي أن يحدد العقد مسؤولية كل طرف بما يتناسب مع قدرته على التحكم في المخاطر ذات الصلة، كما يجب أن يحدد بوضوح قواعد استمرارية الخدمة وتسوية النزاعات والخروج من المشروع.

وفي الوقت نفسه، يجب ألا تؤدي إسناد عمليات التشغيل إلى احتكار ملكية البيانات العامة أو إلى اعتماد دائم للجهات الحكومية على مزود واحد.

حوكمة البيانات والاستثمار مترابطان

قد تبدو حوكمة البيانات ونموذج الاستثمار، للوهلة الأولى، مسألتين منفصلتين. لكنهما في المنظومة الرقمية مرتبطان بشكل مباشر.

فعندما لا يكون واضحاً أي مرجع مسؤول عن تصحيح سجل ما، أو أي معرّف هو المعتمد، أو كيف ينبغي نشر تغيير في البيانات بين الجهات المختلفة، ترتفع تكلفة معالجة حالات عدم التطابق والدعم الفني، بينما تتراجع جودة الخدمة.

كما أن هذا الغموض يجعل تقدير تكاليف وإيرادات شركة المشروع أكثر صعوبة.

ولهذا السبب، لا ينبغي تأجيل تحديد مراجع البيانات وإنشاء نظام لإدارة البيانات الرئيسية إلى ما بعد تصميم المشروع. بل يجب التعامل مع هذه القضايا منذ بداية تصميم النموذج التشغيلي والاقتصادي للمنظومة، بالتزامن مع تحديد مسؤوليات الجهات الحكومية والتزامات المستثمر.

كيف نقيس نجاح المنظومات الرقمية؟

لا يكفي لقياس نجاح المشروع إحصاء عدد الشركات المسجلة أو الأنظمة التي تم إطلاقها أو الخدمات التي تم ربطها.

بل ينبغي طرح أسئلة أكثر ارتباطاً بالنتائج الفعلية:

  • كم مرة تم إلغاء الحاجة إلى إدخال البيانات نفسها بشكل متكرر؟

  • إلى أي مدى انخفض الوقت اللازم للحصول على الخدمة؟

  • كم عدد حالات عدم تطابق البيانات التي تم تقليلها أو التخلص منها؟

  • إلى أي مدى أصبحت المسؤولية عن الأخطاء واضحة؟

  • وهل يحصل المواطنون والشركات فعلاً على خدمات أبسط وأسرع؟

سيأتي الاختبار الحقيقي للمنظومات عندما تلتزم الحكومة بتعهداتها تجاه المستثمرين، ويكون القطاع الخاص مسؤولاً عن جودة الخدمة واستمراريتها، وتتمكن الجهات الحكومية من التعاون على أساس بيانات موثوقة ومعانٍ مشتركة.

وفي نهاية المطاف، فإن الحكومة الرقمية ليست مجرد مجموعة من الأنظمة المترابطة. فالمنظومة الرقمية تنشأ عندما ترتبط البيانات والمسؤولية ورأس المال ضمن نموذج واضح للحوكمة.

وإذا تمت معالجة هذه المستويات الثلاثة بصورة متزامنة، يمكن للنافذة الواحدة أن تتجاوز مجرد التكامل الشكلي بين الأنظمة لتصبح تجربة خدمة موحدة بالفعل. وإلا فقد يتغير شكل التشتت فقط، بينما تبقى المشكلة الأساسية على حالها.